أفكار شائكة
عادل عطية
الإنسان من أرقامه
في السجون، تُستبدل الأسماء بالأرقام. ليس لأن السجّان يكره اللغة، بل لأن الرقم أكثر فائدة في الإدارة: لا يخطئ، لا يتشابه، ولا يحتاج إلى حفظ ملامح أو سيرة ذاتية. يكفي أن تقول: "أحضروا رقم كذا"، فيأتي صاحبه، أو يأتي من ينوب عنه في الشكوى.
المفارقة أن كثيرًا من الناس يغادرون السجن، لكنهم يحتفظون بطريقة السجّان في التعرّف إلى البشر.
فإذا أخبرتهم أنك تعرّفت إلى شخص جديد، لا يسألون: هل هو ذكي؟ كريم؟ ممتع الحديث؟ هل يقرأ الكتب أم يقرأ عناوينها فقط؟ هل لديه حسّ فكاهي، أم يضحك حين يرى الآخرين يضحكون؟
الأسئلة الحقيقية تبدأ من قسم الإحصاء: كم عمره؟ كم راتبه؟ كم أخًا له؟ كم يزن؟ كم يملك من العقارات؟ وهل أبوه غني أم مجرد أب؟
وحين تنتهي من الإجابة، يهزون رؤوسهم بثقة الخبراء، وكأنهم أجروا فحصًا شاملًا للشخصية، مع أن كل ما عرفوه لا يتجاوز ما يمكن أن يكتبه موظف تعداد سكاني في استمارة ورقية.
الغريب أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمكن أن يكون عمره أربعين عامًا، وعقله في الثامنة عشرة، أو راتبه ضخمًا وقيمته ضئيلة، أو وزنه مثاليًا وشخصيته ثقيلة إلى درجة تحتاج إلى رافعة.
لكن الأرقام تغري الناس؛ فهي تمنحهم وهم المعرفة السريعة. فمن الأسهل أن تعرف دخل إنسان من أن تفهم أحلامه، وأسهل أن تحصي إخوته من أن تكتشف أخلاقه، وأسهل أن تسأل عن عمره من أن تعرف مقدار الحياة التي يعيشها فعلًا.
أما الشخصية، بكل ما فيها من تناقضات ودفء وأسرار، فتظل خارج جدول الأرقام... مثل ملاحظة صغيرة في أسفل الصفحة لا يقرؤها أحد.
عقدة الخواجة
من منكم سمع عن رجل اسمه: «حصان»؟!
أنا سمعت عن رجل اسمه: «السبع»، وآخر اسمه: «الضبع»، وآخر اسمه: «الديب»، وآخر اسمه: «القط»، وآخر اسمه: «الفار». كما سمعت عن سيدة اسمها: «دبانة». أما اسم: «حصان»، فغريب علينا!
على أن الأمر في الصين غير ذلك، فإن كثيرين جدًا من الصينيين اسمهم: «حصان»!
قابلت أحدهم في مصر، وكنت أناديه بـ«السيد حصان»، أو «الخواجة حصان». وعندما كنت أعرّفه إلى الحاضرين، كان البعض لا يتمالك نفسه من الضحك، أو الابتسام الخبيث!
كان لا يملك «الخواجة حصان» إلا التعجب من المتعجبين من اسمه، ويقول لهم:
هذه الكلمات أصبحت تكرر ذاتها على لسانه، كلما أحس بالهمز واللمز والهمس، حتى كاد الرجل أن يهرب من اسمه!
برأيي الشخصي، كانت هذه هي «عقدة الخواجة»، وليس ما كنا نسميه: «عقدة المصري»، وننطقه، بالخطأ، «عقدة الخواجة»؛ لنسخر من إعجابنا، واعتقادنا، وقناعتنا، وتصديقنا، واعتمادنا على كل ما هو غربي، مع ما نحمله من درجة الأستاذية في مادة الرفض لكل ما هو مصري، حتى ولو كان حاملًا لقلادة: «الأيزو»!
المحيّر، بالنسبة لي، كيف استطعنا، نحن الذين نملك الشعور الجارف بالتغريب، وتحمِل كثير من عائلاتنا المصرية ألقابًا من قبيل: «البغل، العجل، الجحش، الثعلب»، وهي من أكثر الأسماء مدعاة للسخرية من اسم «الحصان»، أن نصيب هذا الرجل المسكين بهذا الداء اللعين، الذي اسمه: «عقدة الخواجة»...؟!
وجوهٌ قاسية في الجامعة
المعلم رسول، ورسالة، وجسرٌ تعبر عليه الحضارات إلى النور والمعرفة والحياة. هو اليد التي ترفع الإنسان من ظلمة الجهل إلى اتساع الوعي، ومن قسوة العالم إلى رحابة الفهم.
لكن بعض المعلمين ـ ويا للأسف ـ يدفعوننا إلى البوح بما يؤلم، رغم ما في النفس من حرجٍ في توجيه العتاب إلى من يفترض أنهم أهل فضلٍ ورسالة.
فهناك أساتذة جامعات لا يُحاضر فيهم الجانب الإنساني، بل يتقدم فيهم الوجه القاسي، وكأن الشر المختبئ في النفس هو الذي يتكلم ويُعلّم ويصنع الأجيال.
بعضهم تراه كأن وراء ظهره شبحًا مخيفًا، يزرع في القاعات ثقافة الخوف من السؤال. وقد عنّف أحدهم طالبةً لم ترتكب سوى أنها حاولت فهم ما استعصى عليها من محاضرته!
وآخر يتعامل مع طلابه كما لو أنهم خصومٌ ينبغي التضييق عليهم، لا أبناءٌ ينبغي احتضانهم؛ فقد طرد أكثر من نصف طلابه من المدرج لأنهم لم يحضروا "المسطرة"، مع أنها لم تكن ذات صلةٍ بالمحاضرة أصلًا!
وثالثٌ مزاجه كالريح، لا يُعرف له اتجاه ولا موعد. يأمر طلابه بالحضور في الثامنة صباحًا، ثم يأتي في التاسعة، فإذا اعتادوا ذلك باغتهم بالحضور مبكرًا؛ ليعاقب المتأخرين الذين تأخروا بسبب فوضاه هو!
وآخر نسي أن الأستاذ رسالةُ معرفةٍ وتعايش، لا صاحبُ محكمةٍ أيديولوجيةٍ أو دينية. غمس لسانه في حبر السخرية السوداء، وأخذ يتهكم على طالبةٍ مسيحية ومعتقداتها أثناء امتحانها الشفهي. وحين عادت المسكينة إلى فراشها، لم تكن تعلم أنه فراشها الأخير؛ فقد ماتت قهرًا وكمدًا. والمفجع حقًا أن ذلك الأستاذ كان من أبرز المشاركين في تشييع جنازتها!
ومن الذي منح بعض الأساتذة كل هذا السلطان المؤذي باسم العلم والتعليم؟!
وكيف تحولت صورة الأستاذ الجامعي، في خيال بعض الطلاب، من قدوةٍ مُلهمة إلى صورةٍ تبعث الرهبة والنفور؟!
أهي القوانين الجامدة التي تُغلق أبواب الشكوى، وتجعل الطالب خائفًا من الاعتراض، لأن مستقبله قد يصبح رهنًا بمزاج أستاذٍ لا رقيب عليه ولا مساءلة؟!
أم أن بعض الأساتذة صاروا امتدادًا مشوهًا لمن علّموهم، بعدما فقدوا المعاني الإنسانية والأخلاقية التي ينبغي أن تسبق العلم نفسه؟!
أن يُنصف أبناءنا، ويحميهم من القسوة والإهانة، وأن يُحاسَب كل أستاذٍ تخلّى عن القيم التي تليق برسالة التعليم، وكل من يزرع الكآبة واليأس والخوف في نفوس طلابه.
فالجامعة ليست مصنعًا للشهادات فقط، بل بيتٌ لصناعة الإنسان. وحين يعود الاحترام المتبادل بين الأستاذ والطالب، ويعود العلم مقترنًا بالرحمة والكرامة، عندها فقط يستعيد التعليم وجهه الجميل، ويتألق من جديد على أرض مصر.