فاطمة صابر | المغرب
ما إن تقترب شمس الصيف من الأفول حتى تبدأ عجلة الزمن المدرسي في
الدوران، معلنةً عن عدٍّ تناكسي يطرق أبواب البيوت كافة. إنّ الدخول المدرسي لا
يمكن بحال من الأحوال اعتباره مجرد تاريخ عابر في روزنامة السنة، أو مجرد عملية
لوجستية لاقتناء الدفاتر والأقلام؛ بل هو منعطف وجودي ونفسي حاسم في مسار الطفل
الأسري والتعليمي. فما أحرى الآباء والأمهات بأن يدركوا أن نجاح هذه المحطة لا
يتحقق صدفةً، وما من سبيل لضمان بداية موفقة سوى الإعداد النفسي والعاطفي المبكر
الذي يمهد الطريق أمام الصغار لاسترشاد معالم المعرفة بروح مطمئنة وثابتة.
ولقد أثبت علم النفس التربوي الحديث أن الانتقال الفجائي من حرية العطلة
إلى صرامة النظام المدرسي يخلق هزة وجدانية لدى الطفل، ولا يخفى على ذي بصر وبصيرة
أن الارتباك الصباحي الحاد يشتت الانتباه ويضعف التحصيل التعلمي في أيامه الأولى.
لذلك، فإن الإعداد النفسي لا يُعد ترفًا فكريًا، بل هو ضرورة ملحة تفرضها طبيعة
النمو الذهني للناشئة.
|
الاستثمار
الحقيقي لا يكمن فقط في شراء الكتب المدرسية، بل في الاستثمار في البناء النفسي
والمعنوي للطفل منذ اللحظات الأولى لانطلاقته. |
وفي هذا السياق، لا مناص للأسرة من لعب دور المحضن الموجه، إذ إن البيئة
المنزلية الهادئة تمثل الركيزة الأساسية لامتصاص التوتر المرتبط بالدخول المدرسي.
وما إن يبدأ الآباء في تعديل روتين النوم تدريجيًا وإبعاد الشاشات عن أبنائهم قبل
الخلود إلى أَسِرَّتِهِمْ بمدد كافية، حتى تنعكس هذه السكينة بوضوح على استقرارهم
الذهني والوجداني. وما أصدق الواقع حين يبرهن لنا يومًا بعد يوم على أن الطفل الذي
يُهيَّأ نفسيًا ويُزوَّد بكلمات التحفيز والتشجيع، يواجه أصعب التحديات المدرسية
بثقة واقتدار، بينما يتخبط سواه في دوامة القلق والتردد!
وختامًا، إنّ بناء جيل واعٍ، متزن، وقادر على رفع تحديات المستقبل، لمقترن حتمًا بتكامل الأدوار وتضافر الجهود الحثيثة بين البيت والمدرسة. وما عاد خافيًا أن الاستثمار الحقيقي لا يكمن فقط في شراء الكتب المدرسية، بل في الاستثمار في البناء النفسي والمعنوي للطفل منذ اللحظات الأولى لانطلاقته. فلنحرص جميعًا على ألا نضيع هذه الفرصة، إذ لا بديل عن البدايات الرصينة لصناعة نهايات مشرقة وموفقة.
