📁 تدوينات جديدة

طفولة معلّقة على ضوء الشاشة | نوال فراح

طفولة معلّقة على ضوء الشاشة | نوال فراح

نوال فراح | تونس

كانت للطفولة، في وقت قريب، إيقاعات أكثر بطئًا. ساحة الحي، دراجة تتنقل بين الأزقة، كرة يتقاسمها الصغار، كتاب تُقلب صفحاته على مهل، وحكاية مسائية تفتح أبوابًا واسعة للخيال. كان العالم قريبًا من اليد والعين؛ يُكتشف بالمشي واللمس والتجربة، وتتحول الأشياء البسيطة إلى ألعاب لا تنتهي.

دخلت الشاشة إلى هذا العالم بهدوء، ثم أخذ حضورها يتسع عامًا بعد عام. التلفاز الذي كان يحتل ركنًا من غرفة الجلوس صار هاتفًا محمولًا يرافق الطفل أينما ذهب، وتبعه الجهاز اللوحي وألعاب الفيديو والمنصات الرقمية. ومع هذا التحول تغيرت عادات كثيرة في الحياة اليومية، وتغير معها شكل الوقت الذي يقضيه الصغار في اللعب والتعلم والتواصل.

لم يعد الملل يدوم طويلًا. يكفي أن تمتد يد صغيرة إلى الهاتف حتى ينفتح أمامها سيل من الصور والأصوات والألعاب والمقاطع القصيرة. لحظة واحدة تكفي للانتقال من نشاط إلى آخر، ومن قصة إلى لعبة، ومن لعبة إلى مقطع جديد. ومع الاعتياد على هذا الإيقاع السريع، يصبح الكتاب الذي يحتاج إلى صفحات عدة، أو اللعبة التي تتطلب وقتًا وجهدًا، أقل إغراءً.

وللطفولة حاجات لا تؤديها الشاشة مهما بلغت جاذبيتها. الحركة، على سبيل المثال، ليست مجرد وسيلة لتمضية الوقت؛ فمن خلالها يكتشف الصغير جسده وحدوده وقدرته على التوازن والمبادرة. واللعب مع الآخرين يفتح أمامه دروسًا لا تُكتب في الكتب: كيف ينتظر دوره، وكيف يفاوض، وكيف يخسر، وكيف يتعامل مع غضبه، وكيف يعود إلى اللعب بعد خلاف عابر.

أما الخيال، فله طريقته الخاصة في النمو. صندوق من الورق قد يتحول إلى سيارة، وقطعة خشب إلى سفينة، وملاءة إلى خيمة. لا تقدم هذه الأشياء لعبة جاهزة؛ تترك للطفل مهمة اختراعها. وفي المسافة بين الشيء البسيط والصورة التي يصنعها الخيال، تتشكل مساحة واسعة من الإبداع.

يظهر أثر الاستخدام المفرط للشاشات أيضًا في علاقة الصغير بالتركيز. الأنشطة التي تمنح نتائج فورية تستولي بسهولة على الانتباه، بينما تتطلب القراءة والرسم وحل المسائل وتركيب الألعاب المعقدة وقتًا أطول. ومع مرور الوقت قد يصبح الانتظار ثقيلًا، ويصير النشاط الهادئ بحاجة إلى جهد أكبر حتى يحتفظ بالاهتمام.

ولا تنفصل هذه العادة عن الحياة داخل الأسرة. قد يجلس أفرادها في غرفة واحدة، فيما تأخذ الأجهزة كل واحد منهم إلى مكان مختلف. الهاتف حاضر على المائدة، والشاشة تضيء في غرفة الجلوس، والحوار يتقطع أمام إشعار جديد. هكذا يمكن أن يظل البيت عامرًا بالأشخاص، بينما تتراجع المساحة التي تجمعهم فعلا.

في السنوات الأولى من العمر، يتعلم الإنسان التواصل من تفاصيل صغيرة لا تنتقل بسهولة عبر الأجهزة: نظرة العين، نبرة الصوت، حركة الوجه، الإصغاء، الانتظار، والانتباه إلى مشاعر الآخر. ومن هذه التفاصيل تتكون خبرة اجتماعية سترافقه طويلا.

ثم تأتي المساحة الرقمية بما تحمله من أبواب مفتوحة. محتوى لا يناسب العمر، تعليقات قاسية، تنمر إلكتروني، صور مصنوعة بعناية لحياة تبدو مثالية، ومقارنات لا تنتهي. أمام هذا العالم يحتاج الصغير إلى راشد يشرح ويواكب ويوجه، لأن المعرفة التقنية وحدها لا تمنح القدرة على التمييز بين ما يستحق المشاهدة وما ينبغي الابتعاد عنه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور طفولة معاصرة خارج التكنولوجيا. المدرسة نفسها تستفيد من الوسائط الرقمية، والكتاب أصبح متاحًا بصيغ متعددة، والمعلومة تنتقل في ثوانٍ، والمهارات الرقمية جزء من التعليم والعمل والحياة العامة. لذلك تبدو التربية على الاستخدام الرشيد أكثر واقعية من محاولة عزل الصغار عن عالم سيعيشون داخله في كل الأحوال.

وتبدأ هذه التربية من البيت قبل أي مكان آخر. عادات الكبار تصل إلى الأطفال أسرع من النصائح. حين يرى الصغير أباه وأمه يضعان الهاتف جانبًا أثناء الطعام، ويخصصان وقتًا للحديث واللعب والخروج، يصبح التوازن سلوكًا يوميًا يراه أمامه، لا قاعدة يسمعها في موعظة.

كما أن تقليل وقت الشاشة يحتاج إلى شيء آخر في المقابل. مساحة للعب، كتاب قريب من اليد، أدوات للرسم، دراجة، حديقة، زيارة عائلية، رحلة قصيرة، أو جلسة مسائية طويلة يتحدث فيها الطفل عن تفاصيل يومه. البدائل الحقيقية تجعل التخلي عن الشاشة أمرًا طبيعيًا، لأن الحياة خارجها تصبح ممتعة وجديرة بالوقت.

ولعل أجمل ما يمكن أن تمنحه الأسرة لصغيرها هو حضورها. ساعة يقضيها الأب في تركيب لعبة مع ابنه، أو جلسة تقرأ فيها الأم قصة، أو نزهة قصيرة يتحدث فيها الجميع عن أشياء تبدو عادية، قد تتحول بعد سنوات إلى ذكريات لا تشبه أي محتوى رقمي.

تتغير الأدوات، وتتبدل الألعاب، وتتسع العوالم التي يدخلها الصغار من خلال أجهزتهم. لكن حاجة الإنسان في طفولته إلى اللعب والحركة والحكاية والصداقة والحوار تظل حاضرة.

لذلك ربما لا يكون السؤال الأهم: كم ساعة يقضيها الطفل أمام الشاشة؟ وإنما: ماذا بقي له من الوقت كي يعيش طفولته خارجها؟

فالأيام التي تمر في هذه المرحلة لا تعود. وما يختفي منها في وهج الشاشة قد لا نكتشف قيمته إلا بعد أن تصبح الطفولة ذكرى بعيدة.

تعليقات