سامية برهومي | تونس
«غدًا تبهت الألوان، ثم تضيع وتفقد الأشكال ملامحها، وغدًا تبتلع لُجّة الفوضى
الحقائق، وتختلط المفاهيم، ثم تُسفر عن فراغ وإنكار، ويقوم العبث».
ضحك أمجد بصوت منكر، ضحكة غير منسوبة لأسباب الضحك عادة، وعاد يتملّى بعينيه
الكلمات، كأن لم تكتبها يده، ثم أدار طرفه في أنحاء غرفته الجميلة.
تحرص أمه على إسعاده. تحب أمه الألوان الفاتحة والزاهية، وحتى الصارخة أحيانًا.
قالوا له إن الإنترنت ستذهب بعقله، وقالوا إنها «غادة»، لكنه هجر «غادة»،
ولم يحرك فيه ساكنًا بكاؤها. تعجّب من نفسه بادئ الأمر، ثم ضحك ضحكته اللقيطة. وها
هو هاتفه الذكي مهمل جدًا، وحاسوبه يشبه شيخًا محدودبًا، مكدسًا على صمته وأسراره.
وإذا كان قد نأى بعواطفه عن «غادة» لأنها مكنته من كل ما يريد ويشتهي، وتفننت
في إرضائه، وفي روعها أنها تكسبه إليها، فلقد هجر حاسوبه، وهو به أشد كلفًا، ولم يحط
بعد من عميق أسراره بشيء يُذكر، ولا ملّ صحبته.
أصبح يضحك لأوهى الأسباب، ويأخذ الدنيا عبثًا وسخرية. كان في البداية يبحث
عن سبب يضحكه، ابتداءً بنفسه وبغرفته وأشيائه، ثم أحاط بكل شيء، بكل سبب.
ضحك وهو يستلقي على قفاه، بينما كانت غادة تلمّ شعثها. لم تسأله يومها؛ كانت
كئيبة، في عينيها فراغ ضائع. فكّر بأنه كان سيحدد موقفه منها يومًا، فضحك؛ لأنه تذكر
أن لا شيء يستحق النقد ولا الثناء، لأن فيهما اهتمامًا، وهو كفر بالاهتمام. وضحك، وضحك،
حتى اختلط ضحكه بالبكاء.
انحدرت الدموع على وجنتيه، فاستفاق فيه حزن غريب، تجاوب في تمطّيه مع حرارة
الأدمع، فجَرّت الدموع دموعًا، وتوالد الحزن، ثم توالد كبكتيريا الخمائر. اشتد بكاؤه،
وهو يهتز في مقعده، يشهق وينشج، ثم عصفت به موجة البكاء عصفًا أطاح بتحفظه. أرخى العنان
لصوته، وأرخى مفاصله، فبدا كطفل كئيب جدًا، غطّى بصوته على الصخب والضوضاء التي رافقت
اقتحام أمه لغرفته، وازداد نحيبه، وهي تحاول عبثًا إسكاته، أو على الأقل الاستفسار،
حتى انتهى بها الأمر أن شاركته بكاءه بحرارة وخوف.
شيئًا فشيئًا أخذت نوبة بكائه في الهمود، وغرق وجهه في سوائله، وثقلت أجفانه.
ثم، وهو في ارتخائه، أخذ يتأمل أمه. ما زالت تبكي، وجهها بين راحتيها، وصدرها يهتز...
هل تجهل أنه كفّ عن البكاء أخيرًا؟
بدا له أن ينبهها، فضحك، وضحك، ثم كاد يستلقي أمام حيرة العينين الدامعتين
والفم المفغور عن الدهشة.
لم يفكر في مقاومتها وهي تقوده إلى عيادة الطبيب النفسي. أراد فقط أن يقول
لها بأنه لا فائدة من ذلك، فضحك، ولم يقاوم ضحكه، ولا قاومه في الشارع، وهو يجد في
كل متر تقطعه السيارة سببًا يضحكه.
لا قاوم، ولا بحث عن سبب أساسي لهذا الضحك الهستيري الذي يجرّ وراءه بكاءً
مماثلًا. كل ما يعلمه أن اهتمام الناس بالأشياء الصغيرة والكبيرة كان قد بدأ يدهشه،
ثم يثير أعصابه، ثم اكتشف بإيمان عميق، وفي مفارقة عجيبة، أن لا شيء يستحق الاهتمام.
قبل أن يسلبه الضحك كل إرادة، كان يبرر ذلك بأن الإنسان أفسد طبيعته التي
خُلق عليها، وأراد أن يقحم نفسه في كل أسباب الحياة، وأن كل هذا بدا له، من وجهة نظره
الجديدة، مهزلة لا حد لها، ومسرحية ساخرة بلا نهاية.
ضحك كما لم يضحك من قبل وهو في العيادة. بدا له افتعال الطبيب عجيبًا جدًا؛
يدّعي الطبيعة، ومكتب غير تقليدي، يدّعي بأنه لا يهتم بالجلوس إليه أبدًا، محبّذًا
مقاعد خشبية في الشرفة... بداية مكررة ومدروسة لطبيب يعالج النفوس.
كل ما بقي يذكره بعد ذلك، وكل ما استطاع طبيبه استخلاصه منه، هو جملة واحدة
اغتصبها من موجة ضاحكة:
«صدقني يا سيدي، إن الأمور، كل الأمور، تحتاج لمعالجة من نوع آخر».
