أميرة فهري | تونس
استعدتُ ظلي
أعلِّقُ نافذتي
على كتفِ الغيم.
وأمضي...
تسبقني رائحةُ الطين.
العصافيرُ
تعرفُ اسمي القديم.
وحدها الأشجارُ
تمدُّ لي ظلالَها
كأنها تتذكَّرُ يدي.
أخلعُ المسافةَ
كما يُخلَعُ معطفُ الشتاءِ.
ويبتسمُ المفتاحُ
في جيبِ الصمت،
حين يزهرُ الباب.
طيور بلا أجنحة
كلَّما رفعتُ
نافذةً للضوء،
ازدادَ السخامُ
على أصابعِ الهواء.
تتبعني
طيورٌ بلا أجنحة،
تحفظُ
اتجاهَ الرماد.
لكنَّ النهرَ
لا يلتفتُ
إلى الحجارةِ الصغيرة.
يمضي...
ويتركُ للعكرِ
مهمّةَ
تفسيرِ صفائه.
مرآتي التي لا تجيب
أحادثُ نفسي في ممرٍّ بلا جدران
فتردُّ عليَّ بصدى خطواتي
أسألها: من نحنُ بعد هذا التعب؟
فتشيرُ إلى نافذةٍ نسيَها الضوء
أقولُ لها: كوني شجاعة
فتسندُ ظهرَها إلى خوفٍ قديم
نقتسمُ القلقَ ككأسين من مساءٍ واحد
ونضحكُ حين يسقطُ المعنى من أيدينا
هي تقول: الطريقُ أطولُ مما نظن
وأقول: لكنّ الخطوةَ تعرفُ وجهتها
تسرّحُ لي أفكاري كما تُسرَّحُ الطفولة
وتربطُ أخطائي بشريطٍ من أمل
في منتصف الصمتِ نصافحُ الحقيقة
أننا لسنا ضائعَين تمامًا
نحنُ فقط نتعلّمُ أسماءنا من جديد
على لوحِ القلبِ المكسور.
احتراق ناعم
ألمسُ الليلَ بأنفاسي،
وأُسدلُ فوقه وشاحَ الانتظار،
فكلُّ ما فيَّ يشتعلُ حين تذكرني،
حتى الهمسُ يغدو شرارةً في العراء.
تعال...
لا كعابرٍ على جسدِ الحنين،
بل كصيفٍ يفتحُ نوافذَ أنوثتي،
ويزرعُ في لغتي عطركَ المسحور.
في غيابك،
يتعثّرُ القمرُ بثوبي،
تضيعُ أناملي بين أوراقِ الرسائل،
كأنني أبحثُ عنك
في مدادٍ ذائبٍ من الشوق.
قل لي،
كيف استطعتَ أن تجعل من نظرتي وعداً،
ومن صمتي اعترافاً،
ومن لمسةٍ واحدةٍ عالماً من اللهب؟
أنا لستُ ملاكاً...
لكنني أكتبُكَ كخطيئةٍ حلوة،
أتطهّرُ بها من البردِ والرتابة،
وأهتفُ: أحبّك...
رغم احتراق القصيدة.
أنا من أردت رحيلك
أنا من أردتُ رحيلك...
كان الودّ بالودّ بداية،
ولم نشتهِ الفراق.
زاد التعلّق بك يوماً بعد يوم،
واعتزلتُ الرفاق.
ضحكنا للغد، وعاهدنا الليلَ
على دوام اللقاء بلا انقطاع.
لكن وسوسةً زحفت بيننا،
فكسرتْ حبلَ الأمان إلى انفلاق.
كلّما عالجتُها، عادت لتقول لي:
"أفيقي من غفلتكِ الصمّاء..."
إلى أن اتّصلتَ في غفلة،
فوجدتُ نفسي في الانتظار.
دارت عقارب الساعة مرتين،
ولا زلتُ في الانتظار.
سألتك:
"ما كلّ هذه الساعات في الاتصال؟"
فأجبتَ أنّك كنتَ على قلقٍ من الحال...
فاتخذتَ رقمَ طوارئٍ تذهب به طول الآوان!
أتراني بهيمةً
حتى أصدّق أقبحَ الأعذار؟
زاد وسواسي، وسلكتُ معه الطريق.
أردتُ اتّباع حدسي،
فما عدتُ أطيق لوعة الحريق.
وبعد برهة،
دخلتُ مكاناً قلتَ يوماً إنك ألغيتَه،
فوجدتُ نفسي محظورةً...
وغيري تتربّع على عرش فحواه!
كم كنتُ ساذجةً يا أنا...
ظننتُ الهوى ملجأً دافئاً،
فإذا به سرابٌ موشّحٌ بالنفاق.
رسم لي وعوداً زائفة،
يخفي وراءها قلباً
يلهثُ خلف كلّ اختلاق.
واليوم أفيق على الحقيقة المرّة:
أنني لم أكن سوى محطةً عابرةً في مساق.
فليأخذ خيانته حيث شاء،
وليَبقَ اسمي شاهداً
على امرأةٍ رحلت بعزّةٍ لا تُطاق.
سُلَّمٌ إلى الصمت
أرتدي ظِلًّا من لؤلؤ.
أزرعُ قَمَرًا في جيبي.
حقيبتي تُصفِّرُ ليلًا.
قَطرةٌ تمشي على كَعبي.
أُساومُ الريحَ على وردة.
نافذتي تضحكُ بلا زجاج.
حوتٌ ينامُ في خاتمي.
أنفضُ غبارَ الأزمنة.
أكتبُ بالملحِ رسالةً،
تصلُ إلى قلبِ المطر.
مفاتيحي تفتحُ الغيم.
ساعتي تأكلُ الثواني.
أطهو الوقتَ على نارٍ خفيفة.
ينهضُ طائرٌ من كتفي،
يرسمُ سلّمًا للصمت.
أعلّقُ حلمي عليه،
وأصعدُ بفستانٍ من ضوء.
في أعلى السلّم مرآةٌ
أرى طفلةً تُلوّحُ لي.
أمدّ لها خُبزَ نجمةٍ،
وننامُ تحت جناحِ كلمة.
تأملات
أجلسُ على حافة الفراغ،
أتأملُ وجهي في مرآةٍ مشروخة،
لا أعرف إن كان الوجه لي...
أم لظلّي الذي سبقني إلى الليل.
الزمنُ يتقطّر من أصابع الساعات،
كدمعةٍ عالقة على خدّ الريح،
والأرضُ تئنّ،
كأنها حَملٌ لا يريد أن يلد.
في داخلي غابةٌ من مرايا،
كلّما لمستُها بأفكاري
تكسّرت إلى نُجوم،
تضيء ثم تنطفئ
كعُمرٍ يُستعار لوهلة،
ثم يُرمى في مقبرة الغيم.
أسمعُ أصواتًا تتسلّل من تحت جلدي،
تحدّثني بلُغات لم أتعلمها،
تُخبرني أن العالم وهم،
وأنني مجرّد حُلُمٍ
حَلِمَ به حجر قديم
في قاع نهرٍ جاف.
العشبُ يخرج من أفكاري،
والطيور تبني أعشاشها
في تجاويف جمجمتي،
والسماءُ تفتح نوافذها
لتسكب في قلبي
قليلاً من اللاشيء.
أرفع يدي،
فأكتشف أنني أمسك فراغًا،
لكن الفراغ يمسكني أيضًا،
كطفلٍ يتشبث بحلم أمّه
قبل أن يبتلعه الصحو.
يا الله...
كم هو غريب هذا الوجود،
كم يشبه قصيدةً
لم يكتبها أحد،
لكننا جميعًا
نعيشها.
لستُ أبحث عنك
لستُ أبحثُ عنك،
لكنّ قلبي كلّما هدأ…
نبضَ باسمكَ دون أن يدري،
وكأنّكَ سرُّ الطمأنينة
الذي يسكنني… ويغيب.
أراكَ في زوايا الوقتِ الخالي،
في لمحةِ ظلٍّ، في نسمةِ مساء،
في ارتعاشةِ الذاكرة
حين تمرُّ فجأةً، ملامحك في خيالي.
لا أدعوك، لا أناديك،
لكنّني أُصغي للصدى البعيد،
الذي يهمس لي في سكوني:
"هو هنا، وإن غاب،
ساكنٌ فيكِ…
أكثر من كلّ الحاضرين.
امرأة تكتبك مطرًا
(1) على حافة القلب
في زاويةٍ من القلب،
نزفتُ عطراً يُشبهُ حنينَ الياسمينِ لندى الفجر،
ذلك الحنينُ الذي تخبّئه الأوراقُ خجلاً،
وتكتمُ اشتعالَه خشيةَ افتضاحِ اللهفة…
كان قلبي نافذةً
تسرّبُ الضوءَ من شقوقها القديمة،
وأنا،
امرأةٌ ترتّقُ وجعها بالخجل،
وتضعُ الحنينَ على الرفّ،
ككتابٍ تقرؤه كل مساء دون أن تجرؤ على إتمامه.
(2) ظلّك… وصوتي
كنتَ ظلا على جدارِ أيامي،
لا تبرحني… ولا تلمسني،
كغيمةٍ خائفةٍ من المطر،
كأملٍ مُعلّقٍ على حبالِ الانتظار.
أحببتُكَ…
كما تُحبُّ القصائدُ فوضى حروفِها،
كما يُحبُّ الموجُ الشاطئَ حتى وهو يبتعد،
كما يُحبُّ المطرُ نافذتي حين تغفو،
ويُسرقُ من شعري نشيدُ الغيمِ الهارب.
(3) غيمةٌ لا تُجيد المطر
لم أكن امرأةً…
كنتُ غيمة،
تجهلُ كيف تعانقُ الجبال،
تخافُ أن تمطرَ أكثر،
فتُغرقَ من تحب.
علّقتُ صوتي على مشجبِ الانتظار،
وركضتُ في دهاليز الغياب،
أجمعُ ظلالَ الخطى،
أقبّل الأرصفةَ التي مرّت بها
نظراتُكَ يوماً… دون أن تلتفت.
(4) الغيرة النبيلة
أغارُ من كرسيك،
من فنجانِ قهوتك،
من الريحِ حين تمرُّ بأطرافِ قميصك،
من القصائد التي لم تكتبها لي.
وأصمتُ…
لأنني أنثى،
تعرفُ أن الحروفَ تُوجعُ أكثرَ من الغياب.
(5) الورد الذي لم يمت
هل تذكرُ الوردَ الذي نسيناه على الطاولة؟
لم يذبُل…
هو فقط تعلّم الصمت،
كما تعلّمتُ أنا أن أرتّق نبضي كل مساء،
كي لا يُسمع صهيلُ القلبِ في غيابك.
(6) الكتابة… وجعي الأنيق
كلّما كتبتُ عنك،
نزفَ قلمي كأنّه أنثى في ليلِ الولادة،
يُقاومُ صراخَ المعنى،
ويخيطُ الجرحَ بوردةٍ من ورق.
أخبّئك في سطورٍ لا يطالها القارئون،
في قصائدَ لا تنتهي…
ولا تبدأ.
(7) مطرٌ لا يُشبه أحداً
يا أنت…
يا من علّمتني أن الأنثى لا تُقال،
بل تُلمَحُ بين السطور،
كعطرٍ بقي في وشاحٍ ضائع،
كغيمةٍ لم تجدْ سماءها،
وما تزالُ…
تكتبك مطراً،
وتخاف،
كلّما برقَ الحنين،
أن تحترق.
حين التقيتك
حين التقيتكَ،
كنتُ نسمةً تائهةً في شوارعِ المساء،
ضوءًا خفيفًا يتعثَّرُ في زحمةِ العيون،
كنتُ امرأةً تنسى ملامحَها
في مرآةِ الوقتِ المُتكسِّر.
وحين جئتَ،
لم يكن في يديَّ غيرُ الفراغ،
غيرُ أسئلةٍ بلا أجوبة،
غيرُ ظلالٍ كنتُ أخشى امتدادَها في داخلي،
لكنَّكَ أتيتَ كمن يعرفُ الطريقَ إلى روحي،
كمن يُرتِّبُ الفوضى في صمتِ الأمنيات.
تحدَّثتَ…
فانحنى الصمتُ يُصغي إليكَ،
كان لصوتِكَ إيقاعُ مطرٍ
يوقظُ الأرضَ بعد غفوتها،
كان لعينيكَ لونُ الذكرياتِ
التي لم أعِشْها بعد.
مددتُ يدي…
لم ألمسِ الوهمَ،
لم أُمسِكِ العابرَ،
لكنني عرفتُ أنني وصلتُ،
وأنني منذ الآن،
لن أعرفَ طعمَ الرحيل.
