مسعودة عزارنية | الجزائر
عذرًا فلسطين
(إلى روح محمود درويش)
علّمني حبيبي، ذات عثرة ألم،
كيف أعتصر كل سنين الركض
في حبّة برتقال...
كيف أشدو للحمام الزّاجل
ترانيم اسمه مسكوبًا...
بين قهوة وفنجان.
كيف أوقظ وجهك، يا حبيبي،
بين لفح اللّهيب؟
نار متغطرسة تأكل نبات الفؤاد،
من يحمل زاد الفراخ،
واسمك مستودع بين التيه والموت؟
انهضي، يا روح،
واكنسي... صهد الوجع.
قم... احمِ اسمك وكل القبيلة،
يا عرس الكلمات في شفتي...
ما زلتُ أقطف نور الصباح
من حشرجة صوتك الراحل،
وقلبي معلّق بالغمام...
تُدخلني أثواب الجنود القدامى
لأشم عطر الرصاص...
دمعٌ يُهرق صوب رماد نوافذ العذارى،
وأبواب، بسرعة (بلاك بيرد)،
ترسل البريد للمقابر...
الأرض ترضع من أمهاتنا
دماء الشهداء،
والتراب يهمس... يغازل الأجداث،
لا يوقف الاشتهاء.
لغزّة يتوقّف عدّاد الكلام،
عذرًا...
لا نجيد سوى الهرب
بين شقوق العبارات.
هل ينفع رشقك بالكلمات
لمن يرصف للموت بحنجرتك
ألف دبابة؟
لن ينفع، ولو مليون سجال...
بغزّة، الكلّ بركان
تحت فوّهة الصمت،
سكونٌ حارسٌ يطوف كالملاك،
يُنصت لضجيج الأموات.
صدى هتاف الحبيب: "عودوا..."
ـ "لن نعود" ـ يردّ الغائبون ـ
"فقد استحْيَتْ منكم الحياة".
عذرًا، غزّة...
بِعنا البرتقال
بأبخس الأثمان،
وعدنا أدراجنا
أضغاث نساء، وبعض رجال...
عذرًا، غزّة...
قَصُر العمر أو طال،
لم يعد لدينا ما يُقال.
الجزائر، 27 جوان 2020
....................
لا أحد يشبهك
(في رثاء غسان كنفاني)
تضجّ بفم القصيدة
ماءً، تمضغه الأوردة،
عصيانًا، تفتكّه النصوص،
تلك التي تقهقه في وجه الموت.
لا أحد غيرك
يخاتل الحروف الهجينة،
يقتل بقية خنوع
بين كلمات تلسع
كل الدروب اللعينة.
جرّبوا اقتلاعنا مليون مرة،
أن يدسّوك خفية
تحت أشواك الغياب.
لا أحد يشبهك،
تنهض من وراء النهايات،
تلج أرواحنا صخبًا،
تحمل الوطن إلى الأبدية.
فشلوا في أن تتلاشى
في تخضيبك بالعار،
فجّروه بداخلك
ليتوزّع قذائف فزع.
كل عام نهرول نحو مدن الريح،
نعيد قراءتك كنص مفجوع
لوطن لن يُقتلع من جفوننا،
لوطن كفّنوه بالخديعة.
كل يوم يولد ألف غسان
من أحلام اليتامى،
من تناهيد الثكالى،
لأن لا أحد يشبهك.
أنت وحدك
تتنفسك أرض البرتقال الحزين،
تتوشحك عكّا، العاشق الوحيد...
الجزائر، 08 جويلية 2020
....................
خيانة
(في ذكرى اغتيال ناجي العلي)
وأنت تميل بوجهك
المسروق من الحقيقة،
تتوسّد الخيانة،
تلك التي تضاجع
آمالك المنقوعة بالبهتان.
يقصّون أجنحتك
كلّما عاودت الخفقان،
كلّ صباح طاهر
ينبثق الوجع
من صفحات عذراء،
يواجه الصمت
كقنبلة موقوتة.
يرغب في وجه آخر
يتكئ عليه
حتى يصل لضفاف الموت،
بهشاشة حرف كسير
يؤرّق الزمن
ببحثه عن لحظة ميلاد.
وأنت تُخاتل الحزن،
يزحزحون جبينك،
يرغمونه على ترقيع
ما فضحت عوراتهم،
يغطّون مكابرتك بالزيف،
وأنت تقتلهم بموتك.
انفضت من حولهم
أوراقك الناصعة،
بقي حنظلة
وحيدًا يتوشّحها...
يصارع الفناء،
لم يقتنع بالمعضلة،
أنها لن تُحلّ هكذا!
بالكلام هذرًا...
ولا بالزجر شعرًا...
فتاه عنه الحديث،
وتاهت بعدك المسألة.
الجزائر، 28 أوت 2020
