📁 تدوينات جديدة

نصوص شعرية حصرية للشاعرة السورية عبير تموز تتأرجح بين الحنين والهوية والذاكرة

نصوص شعرية حصرية للشاعرة السورية عبير تموز تتأرجح بين الحنين والهوية والذاكرة
 عبير تموز | سوريا

---

ظمأ الروح

هذي أنا

أخرج من كأس الرحيق عطشى

وأقترض من النار ارتوائي

هذي أنا

أرخي للبحر قلبي

وأسرج للمدى رجائي

وإن لم يبق من عبيري عبير

هذي أنا

واشتياقي وخيالي

نستعدُّ للقاء قصيدة ضائعة.

---

على نافذة الريح

أجلس في نافذة الرّيح

وأحاور لحن الحنين

عن ديارٍ مصبوغة بالدماء

أبلّلُ بُحّة صوتي بشهوة

الطيران وأُؤجلُ الغناء،

ألتقط صوراً لآمالٍ

هُدّمت أعشاشها على الأغصان

أكنسُ خيوط العنكبوت

وأنطرح في شباك وحدتي،

ثمّ يُحكِمُ الصّمتُ إغلاق الشفتين

أندبُ الياسمين الذي انفرط

من رئة البلاد وأبكي،

ثمّ أرثي هويتي

فأتلعثم في الوصف.

أختلسُ الوقت من قاحل الزّمان،

أفسّر مرادفات حياةٍ لا تعنيني،

وأستخرج منها ملامحَ وأقنعة.

أحبّر مخيلتي من الجراح والمواجع،

فتشردُ الرّوح،

وأنسى شوقي للكتابة عن الوطن

فأرسم غابة.

---

مرآة الحنين

القمر الذي يحتضن دموعك

ترك ظلي نائماً في وردة.

أيتها الشموع، أكملي رسائلك،

إن ظلالك المشتعلة غابات خصبة.

كل وردة تغطيني

تتذكر رقصتي

على حافة الضوء،

وتختصر رقتي.

كل ليل يفيض بانتظارك

يهيم مثلي في خيالك.

هكذا يصير للحنين مرآة،

هكذا يصير للألم لذة.

---

نبض الذكريات

في مدينة من نسيج الأحلام والضوء،

تتناثرُ الساعاتُ كقطع زجاجٍ معلقة.

والوقت شموعٌ تُشعلها أرواحٌ لا تغادرني،

بينما تولدُ في صدري رؤى

تشبه انفجار النجوم الصامت.

وأنا كظلٍّ يرقصُ على جدارِ اللّامكان،

أبحثُ عن ذاتي،

عن جوهرةٍ أمينةٍ

بين أصدافِ الأفكار المتفتحة.

أبحث عن صوتٍ يجدد الفراغ

ويكون خليفة للمطر والضوء.

أطوف في دهاليز اللحظات المسروقة،

حيث يتشابك نسيج الغبار

مع أشرعة المستقبل،

وتتلاشى ظلالي

في مرايا لا تعرف الانكسار.

أتساءل كيف تصمت مدنٌ

تتنزه في سمائها عصافيرٌ

تولدُ الكلمات من حناجرها؟!

وترقص الأرواح في حقولها

على نغمات اللامرئي.

وفي قلب الليل الإلكتروني

يلبس القمر قناعاً من الطين ويضحك،

يسيل ضوؤه عن السطوح كجرحٍ أبيض،

وتنبض في جبينه أعمدة الدخان،

كأنه كان يحترق في زمنٍ آخر.

فيتغير لون الذكريات،

وتنبض كنبضات نبراس بعيد

لم يصل بعد!

---

قراءة نقدية

حسن امحيل
حسن امحيل | المغرب

تتشكّل تجربة عبير تموز الشعرية في هذه النصوص من توتر دائم بين الداخل والخارج، بين الذات بوصفها كينونة فردية والهوية بوصفها جرحاً جمعياً. في قصيدة «ظمأ الروح» تعلن الشاعرة حضورها عبر تكرار "هذي أنا"، في صيغة اعترافية تؤسس لذات عطشى رغم وفرة الرحيق؛ عطش وجودي لا يُروى إلا باقتراض النار، في مفارقة تجمع بين الاحتراق والارتواء.

أما «على نافذة الريح» فتنتقل اللغة من البوح الذاتي إلى المشهد الوطني؛ إذ يتحول الحنين إلى محاورة دامية مع "ديارٍ مصبوغة بالدماء". هنا تتكاثف الصور المرتبطة بالخراب: أعشاش مهدّمة، ياسمين منفرط، صمت يُحكم إغلاق الشفتين. غير أن الشاعرة لا تسقط في خطاب مباشر، بل تحتمي بالاستعارة، فتكتب الوطن من خلال الغابة، والهوية عبر الأقنعة.

في «مرآة الحنين» تتصاعد النبرة الرومانسية، ويتحوّل الألم إلى لذة جمالية، حيث يغدو الحنين مرآة عاكسة للذات، لا مجرد فقد.

أما «نبض الذكريات» فتُشيّد عالماً سوريالياً مشبعاً بالرموز الكونية: القمر، الزمن، الليل الإلكتروني. إنها قصيدة تأملية تزاوج بين الذاكرة والمستقبل، وتطرح سؤال المعنى في زمن يتبدل فيه لون الذكريات.

مجتمعةً، تكشف هذه القصائد عن صوت شعري يتقن الاشتغال على الصورة، ويجعل من الحنين طاقة خلق لا مجرد استرجاع.

تعليقات