📁 تدوينات جديدة

نحو إعلام إنساني في عصر الخوارزميات | بهيجة البعطوط

نحو إعلام إنساني في عصر الخوارزميات | بهيجة البعطوط
 

بهيجة البعطوط | تونس

لم تعد المعلومة في عصرنا تصل إلى المتلقي، بل أصبحت تقتحم وعيه. خبر يولد في لحظة، وصورة تنتشر في ثوان، ومقطع مصور قادر على اجتياز الحدود قبل أن يجد الصحفي الوقت الكافي لطرح السؤال الأول: هل الخبر صحيح؟

هنا تكمن إحدى أكثر مفارقات الإعلام الرقمي تعقيدا، فالتكنولوجيا التي منحت الصحافة سرعة غير مسبوقة، منحت الخطأ أيضا السرعة ذاتها، وربما منحت الشائعة قدرة على الانتشار تفوق قدرة الحقيقة على اللحاق بها.

في الإعلام التقليدي، كانت دورة الخبر أبطأ، أما اليوم فقد أصبحت المنصات الرقمية فضاء مفتوحا تتدفق فيه المعلومات من مصادر متباينة، بعضها مهني وموثوق، وبعضها مجهول المصدر، وبعضها مدفوع بالرغبة في الإثارة أو التأثير أو تحقيق الانتشار أو بث الفوضى. ولم يعد المتلقي أمام خبر واحد ينتظر التحقق منه، بل أمام آلاف الروايات والصور والمقاطع والتعليقات التي تتنافس على انتباهه.

ومن هنا تغيّرت وظيفة الصحفي.

لم يعد الصحفي مجرد ناقل للمعلومة فحسب، بل أصبح حارسا لسياق الخبر، ومحققا في أصله، ومختبرا لمصداقية المصدر، ومسؤولا عن التمييز بين ما حدث فعلا وما يراد للناس أن يعتقدوا أنه حدث.

فالمعلومة لا تصبح حقيقة لمجرد أنها انتشرت، ولا تكتسب المصداقية من عدد المشاركات والإعجابات. فكثرة التداول لا تعادل صحة المحتوى، والانتشار ليس شهادة على الحقيقة.

لذلك يبدأ العمل الصحفي الحقيقي من لحظة الشك المهني.

أين وقع الحدث؟ ومتى؟ ومن نشر المعلومة أولا؟ وما مصدرها الأصلي؟ وهل يمكن الوصول إلى وثيقة تؤكدها؟ وهل الصورة مرتبطة فعلا بالحدث، أم أنها قديمة وأعيد استخدامها في سياق جديد؟ وهل الفيديو كامل، أم اقتطع منه جزء يغير معناه؟

فالصحفي الذي ينقل معلومة خاطئة لا ينقل خطأ عابرا فقط، بل قد يساهم في صناعة صورة زائفة عن شخص أو مؤسسة أو مجتمع أو حدث، وقد يؤدي ذلك إلى إرباك الرأي العام وإلحاق الضرر بالأفراد والمؤسسات، وربما يساهم في تدمير وطن، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالقضايا الحساسة أو الأزمات الإنسانية.

والأخطر أن الخطأ الرقمي لا يموت بسهولة.

قد تحذف التغريدة، أو يصحح المنشور، أو ينشر اعتذار، لكن النسخة الأولى من الخبر تكون قد غادرت الموقع ووصلت إلى آلاف الحسابات، وربما أعيد نشرها في منصات أخرى. وهكذا تصبح الحقيقة، في بعض الأحيان، مطالبة بمطاردة أثر الكذبة بعد أن تكون قد قطعت مسافة واسعة في الفضاء الرقمي. وحتى لو نشرت الحقيقة، فإنها لا تحظى بسرعة الانتشار نفسها التي حظي بها الخبر عند نشره أول مرة.

ومع تطور الذكاء الاصطناعي، أصبحت مهمة التحقق أكثر تعقيدا.

فالصورة لم تعد دائما وثيقة بصرية يمكن التعامل معها باعتبارها شاهدا صامتا على الحدث، والفيديو لم يعد بالضرورة تسجيلا محايدا لما جرى. أصبح بالإمكان إنتاج صور ومقاطع شديدة الواقعية، أو تعديل محتوى حقيقي وإعادة تركيبه في سياق مختلف.

وهذا لا يعني أن التكنولوجيا أصبحت عدوا للصحافة، بل إن الصحافة مطالبة بأن تطور أدواتها بالسرعة نفسها التي تتطور بها أدوات التزييف.

 

فالصحفي المعاصر يحتاج إلى مهارات تتجاوز الكتابة والصياغة. يحتاج إلى وعي رقمي، وقدرة على تتبع المصدر الأصلي، وفحص الصور والمقاطع، ومقارنة الروايات، والتمييز بين الحساب الحقيقي والحساب المجهول، ومعرفة حدود الأدوات التي يستخدمها الذكاء الاصطناعي.

لكن الأدوات، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع أن تحل محل الضمير المهني.

الصحافة ليست سباقا إلى نشر الخبر الأول، وإنما مسؤولية في الوصول إلى الخبر الأكثر تحققا. قد يخسر الصحفي دقائق عندما يتريث، لكنه قد يحمي سنوات من الثقة إذا رفض أن ينشر ما لم يتأكد منه. وقد يكون قول «لا نملك بعد معلومات كافية» أكثر مهنية من ملء الفراغ بتخمينات لا تستند إلى دليل.

وهنا تظهر قيمة التصحيح أيضا.

الصحفي المهني ليس من لا يخطئ أبدا، فالأخطاء قد تقع، وإنما من يمتلك الشجاعة المهنية للاعتراف بها وتصحيحها بوضوح، دون إخفاء أثرها أو التظاهر بأن شيئا لم يحدث. إن التصحيح ليس اعترافا بضعف الصحافة، بل أحد مظاهر احترام الجمهور.

وفي المقابل، فإن المتلقي نفسه أصبح جزءا من منظومة التحقق.

والمواطن الرقمي لم يعد مجرد مستهلك للأخبار، إنه أيضا ناقل لها، ومشارك في انتشارها، وأحيانا منتج لمحتواها. لذلك أصبحت المسؤولية مشتركة: على الصحفي أن يتحقق قبل النشر، وعلى المتلقي أن يتوقف قبل المشاركة.

إن الضغط الذي تفرضه الخوارزميات على الإعلام لا يتعلق بالسرعة وحدها، بل بطبيعة الاهتمام الإنساني نفسه. فالمنصات الرقمية تميل إلى إبراز المحتوى الذي يثير التفاعل، بينما قد لا تكون الحقيقة الأكثر أهمية هي الأكثر إثارة. وهنا يصبح الصحفي أمام اختبار مهني وأخلاقي: هل يلاحق ما يجذب الانتباه، أم ما يستحق أن يعرف؟

فالإعلام الذي يخضع بالكامل لمنطق السرعة قد يتحول تدريجيا إلى سوق للمعلومة، حيث يصبح الخبر سلعة، والانتباه عملة، والإثارة وسيلة للانتشار.

أما الإعلام الإنساني فهو الذي يتذكر أن وراء كل خبر إنسانا.

وراء الصورة شخص قد يتأذى من نشرها، ووراء الشائعة عائلة قد تعيش الخوف، ووراء الاتهام سمعة قد يصعب ترميمها، ووراء الخطأ الصحفي جمهور يمنح المؤسسة الإعلامية ثقته.

لهذا، فإن أخلاقيات الصحافة لا ينبغي أن تتراجع أمام التكنولوجيا، بل يجب أن تصبح أكثر حضورا كلما ازدادت التكنولوجيا قوة.

التكنولوجيا من صنع الإنسان، ولذلك ينبغي أن تبقى أداة في خدمة الإنسان، لا سلطة تستبدل حكمه المهني والأخلاقي. والخوارزمية تستطيع أن تسرع الوصول إلى المعلومة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تقرر قيمتها الإنسانية. تستطيع أن تقترح وتجمع وتصنف وتحلل، لكن مسؤولية النشر تظل مرتبطة بالإنسان الذي يضع اسمه خلف الخبر.

الصحفي في العصر الرقمي لا يحتاج فقط إلى سرعة الأصابع أمام لوحة المفاتيح، وإنما يحتاج إلى بطء العقل أمام المعلومة.

أن يتوقف حين يندفع الآخرون، وأن يسأل حين يكتفي الآخرون بالمشاركة، وأن يتحقق حين يغريه السبق، وأن يتذكر قبل كل شيء أن الخبر ليس مجرد كلمات تنشر على...شاشة.

تعليقات