لم تكن الولاعة «القدّاحة» أكثر من ظلّ صغير يرافق الجيوب دون أن يُرى.
شيء لا يُؤبه له، خفيف إلى حدّ أن الذاكرة لا تمسكه طويلًا. كانت تُشعل النار ثم
تُنسى، كأن وظيفتها أن تختفي بعد أن تؤدي دورها.
لكن الحرب لا تترك الأشياء كما هي. تُبطئ الزمن حولها، وتعيد ترتيب قيمة
التفاصيل الصغيرة، كما لو أنها تكتب قانونًا جديدًا للحياة.
في الخيمة، لا تأتي النار بسهولة. هناك دائمًا لحظة انتظار بين الرغبة
والاشتعال، لحظة يتقدّم فيها الصمت على كل شيء. إصبع يضغط، ووجه يراقب، وعين تنتظر
ذلك الخيط الرفيع من الضوء، كأنه جواب مؤجل عن سؤال طويل.
وحين تولد الشرارة أخيرًا، لا تبدو مجرد لهب صغير. تبدو كأنها انتصار
مؤقت على العتمة، كأنها تذكير بأن الحياة لم تغادر تمامًا. عندها فقط، يصبح للهواء
معنى آخر، وللأيدي ارتخاء خفيف يشبه الطمأنينة.
لم تعد الولاعة أداة. صارت أثرًا من الحياة نفسها، قطعة تحمل في داخلها
احتمالات الدفء والبقاء. وفي زمن تُقاس فيه التفاصيل بقدرتها على الصمود، تحوّل
اشتعالها إلى حدث صغير لا يُستهان به.
كان يمكن للإنسان أن يعيش دون أن يلتفت إليها يومًا، لكن حين ضاقت
الحياة، صارت الشرارة تُطلب كما يُطلب الأمان، وصار غيابها فراغًا لا يُملأ
بسهولة.
وفي تفاصيل الحياة اليومية، تحوّلت الولاعة إلى أداة تتنقّل بين الأيدي
بهدوء يشبه الحاجة؛ الجار يمدّ بها جاره، والصديق يستعين بصديقه، وحتى الزائر، حين
يحلّ ضيفًا في بيت ما، يجد نفسه يقدّمها للمضيف لتُعينه على إعداد الضيافة وإشعال
نارها، كأن الشرارة باتت جزءًا من طقس البقاء نفسه.
وفي زمن الندرة، لم يعد إعداد وجبة بسيطة أمرًا عابرًا، بل صار انتظارًا
يتقدّم على الفعل، وتفصيلة صغيرة قادرة على تعطيل لحظة كاملة من اليوم. أحيانًا لا
تكون المشكلة في الرغبة في إشعال النار، بل في غياب الوسيلة أو ارتفاع ثمنها، حتى
تصبح الشرارة نفسها موضع بحث وانتظار.
وهكذا، في عالم انكمش على ضروراته، لم تعد النار مجرّد نار، ولم تعد
الولاعة مجرّد أداة. صار للشرارة ثمن... ثمن لا يُرى، لكنه يُدفع كل يوم من الصبر
والانتظار وشيء خفيّ يشبه الرجاء.
