📁 تدوينات جديدة

من أغلق الدائرة؟: قراءة انطباعية لنص "الدائرة المغلقة" للكاتب محمد البنا | حسن أجبوه

من أغلق الدائرة؟: قراءة انطباعية لنص "الدائرة المغلقة" للكاتب محمد البنا | حسن أجبوه

حسن أجبوه | المغرب

السؤال الجوهري بالنص:

هل هناك فعلا دائرة مغلقة؟ 

نحن نعرف أن بعلم الهندسة بالرياضيات أن الدائرة لا تسمى دائرة إلا وان كانت مغلقة؟ فلماذا هاذا التأكيد من طرف الكاتب؟ أيحاول جرنا للاعتقاد أنها كانت فيما مضى مفتوحة؟ وان كانت هي كذلك، ألن تصبح مجرد مستقيم لا بداية ولا نهاية له!

بعد هذا الاستهلال، لنعد الى مجريات النص:

تواترات النص نفسية بامتياز هي عبارة عن حوار أحادي لشخصية أنثى تعاتب شخصا داخل مكان مغلق (غرفة النوم...) قلت أحاديا لأن ليس هناك حوار بين أطراف بل هو عبارة مونولوج استطرادي لفتاة تستذكر مآلتها وتلوم الشخص المرافق لها دون أن ينبث بشفة، في مشهد ميلودرامي تبدو أنها متحكمة في مجرياته. 

ويمكننا أن نتخيل كقراء الصورة من وراء عدسة كاميرا الكاتب (المخرج) وهي تسلط الضوء على مكونات الغرفة (سرير.. منضدة.. ملابس ملقاة أرضا... علبة سجائر...) وهالة الضوء تحاول الكشف عن تعابير وجه كل منهما: 

- الفتاة بوجه عادي لا يظهر أدنى تعابير أو أحاسيس..

- الرجل بوجه عابس وجبهة متعرقة في حالة حيص-بيص...

استعمل السارد تكنيك الفلاش- باك ليستدرجنا بمهارة فائقة للتعاطف مع الفتاة عندما كانت مجرد مراهقة، تأخد دروسا خصوصية منزلية من طرف هذا الشخص (ربما أستاذها لمادة الكمياء.. ولكن لماذا الكمياء ولبس مادة تعليمية أخرى؟ التأثير التفاعلات والميكانيزمات سحر ووقع على أحداث النص؟) 

فتطورت علاقتهما بحكم تواجدهما هما الاثنين لا ثالث لهما في مكان مغلق (يشبه المكان الحالي)، فاستغل عنفوانها وازدرد طيبتها، وجعلها دمية لأهوائه الوحشية... كل ذلك في غياب رقابة أبوية (غياب الأب وتواجد الأم) لنخلص أن الرجل وحش آدمي مكبوت استغل سذاجة الفتاة وغياب الأم وتنكل لمسؤولياته الأخلاقية والتربوية، وأخل بالأمانة...

طيب الصورة واضحة الآن: هو انتقام من وحش وتعاطف مع فتاة فقدت عذريتها ورميت لعالم البغاء.. هل تم استدارة المستقيم وتحويله لدائرة؟

لا يا سادة فقد استطاع الكاتب بثبات أن يجعلنا في دوامة نفسية وان نحاكم الرجل ونغلق الدائرة: مدان...

لكن لنتمعن جليا في صيغة المونولوج:

- في الحقيقة لم أكن مكرهة!

يا الله، هنا تتضح لنا أن الصورة النمطية التي استنتجناها وعلى إثرها، تعاطفنا وحكمنا على الرجل، تقتضي الوقوف لسبر أغوار هذا التناقض!

ولكيلا أطيل لنعد لقفلة النص:

-أخذت 500 جنيه المتفق عليها.

لنسطر على كلمة المتفق عليها... تمام نعم يا سادة...

انغلقت الدائرة الآن: 

الفتاة تحاول أن تلعب دور البريئة الطاهرة وقد نجحت بامتياز... 

لو كانت فعلا قد تعرضت لما تعرضت له لكان الرجل مهرقا في دمائه وحققت انتقامها المنشود...

من وجهة نظري هي لعبة دأبت على إتقانها بكل حرفية ومهارة... هي عملية نصب على رجل بئيس قرر في لحظة نشوة خيانة زوجته فوقع فريسة لهاته الأهواء...

ويبقى السؤال من أغلق الدائرة؟

نص رائع ومتجدد وأظنه مفتاح ونمذجة للقصة القصيرة الحداثية.

النص: دائرة مغلقة

لم يصدق أذنيه، عندما فاجأته قائلةً: 

- أنت...

فز من استلقائه على ظهره، واستوى جالسًا:

- أنا؟

- نعم أنت...

صمتت برهة تتفحص عينيه المندهشتين، ثم استلبت سيجارة من علبة سجائره الموضوعة على طاولة بجانب الفراش؛ أشعلتها، ثم نحّتها عن شفتيها، وأردفت بنبرة صوت آتٍ من ماضٍ سحيق:

- كنت وقتئذ في الخامسة عشر من عمري، وكنت أنت مدرس الكيمياء، حين اختليت بي ذات مساء أثناء مداومتك الأسبوعية في منزلي، وشرعت تتحسس صدري... أتذكر؟

لم تنتظر إجابة منه على سؤالها:

- لا أدري لم استسلمت لك، لكنك واصلت وتماديت إلى أن غشيتني مكرهة!

صمتت للمرة الثانية، وشردت تستجمع فتات لحظاتٍ مضت...

- في الحقيقة لم أكن مكرهة، كل ما أذكره أنني كنت كالمغيبة إثر جرعة مخدر، ببنما أنت تعبث بجسدي وتهتك عذريتي... سألتني أمي لم لم تعد تأتي؟ أجبتها بهزةٍ من رأسي وتمطيط شفتي، لا لشيء إلا لأنني لم أكن أدرك حينها سبب امتناعك عن استكمال تدريسك لي، سألتك ولم أفهم أعذارك!

سكتت فجأة ونظرت إليه لتجده مطرقًا رأسه إلى الأرض؛ نهضت وارتدت ثيابها، ثم مدت يدها والتقطت محفظته الجلدية، وأخذت منها الخمسمائة جنيهًا المتفق عليها، وانصرفت.

محمد البنا / 2013

تعليقات