📁 تدوينات جديدة

كواليس الإلهام الشعري والمسرح الثقافي | آمنة ناصر

كواليس الإلهام الشعري والمسرح الثقافي | آمنة ناصر
 

آمنة ناصر | لبنان

دون شك، إنّ الشعر موهبة لا تحتاج إلى شهادة دكتوراه ولا ماجستير، لكن على الموهوب أن يصقل موهبته بتعلّم اللغة الصحيحة والقواعد اللغوية. لذلك فإنّ الموهبة لا تُدرَّس ولا تُعلَّم في الجامعات ولا في الدورات؛ لأنها معتمدة على خيال المرء وبصيرته وحدسه وذكائه في بلورة الفكرة والصورة لتعجّ بالحياة على الورق.

لذلك، لا يمكن أن نصنّف الشعراء بمراتب أولى أو أخيرة؛ لأن الشعر والأدب مقترنان بتلك اللمعة والدهشة التي قد تتواجد في قصيدة لشاعر دون أخرى. فقد يلمع شاعر في قصيدة ويخفق في أخرى.

الشعر فن، كاللوحة الزيتية والجمال، الذي لا يزال مفهومه غير محدد لأنه نسبي، وتدخل فيه الذاتية؛ أي إنّ المعيار هو الدرجة التي تلامس بها لوحةٌ ما ذاتَ الشغوف بالرسم. وهكذا القصيدة؛ فهي في أساسها الفكرة وسلاستها وروحيتها وصدقها، لتصل من القلب إلى القلب.

والهدف من النص الشعري ليس المغالاة في تعقيد الصور، كما يفعل كثيرون ممن يعتقدون أنّ الشعر هو فقط إتقان التشبيهات والاستعارات، أو التقيد بالوزن والبحور، التي قد يعتبرها أبو الطيب المتنبي اليوم أشبه بأعمدة من خزف يمكن أن تنهار بالشاعر وتتركه رمادًا. فالمهم أن يمتلك الشعر قوةً لعسكرة اللغة، وجعل الحروف أشبه بالحراب المتهيئة للاختراق؛ فكل ذلك يحمي الشاعر من التفتت.

إذن، ما يصل منه هو الصدق والجمال في البساطة. فنحن لسنا في زمن المعلقات السبع. وهنا أشير إلى أنّ كثيرًا من شعراء التفعيلة والموزون، الذين يعتقدون أنّ هذا الجيل لا يطّلع على الشعر القديم، يأخذون قصيدة لعنترة مثلًا ويغيّرون بعض مفرداتها وينسبونها إليهم. لكن الشاعر الحاذق قد لا ينتبه إلى أنه يغازل حبيبته القاطنة في المدينة، ويُبقي على كلمات مثل: «بيداء» و«خيمة». والطامة الكبرى عندما يبدأ أيضًا بـ«الوقوف على الأطلال» كما كان سائدًا في الشعر الجاهلي: «قفا نبكِ…».

وصنف آخر من الشعراء يقرؤون النصوص النثرية التي، بحسب رأيهم، ليست أدبًا، ثم يحوّلون الفكرة ذاتها إلى قصيدة تفعيلية دون أي تغيير في المضمون.

وقد تصادف أن نشرتُ نصًا نثريًا بعنوان «وصية»، فإذا بشاعر في اليوم التالي يكتب وصايا مشابهة على طريقته. فهل نسمي ذلك توارد أفكار؟

والمؤسف أن هذا “التوارد” قد تكرر مرارًا؛ لأن هذا الأخير ربما لا يدري أن من يصنع له القصائد قد استخلصها من كتابات الآخرين، ولا همّ له إلا قبض ثمن قصيدة لم يتعب في فكرتها، ولن تُذيل باسمه.

المؤسف أيضًا أنّ كثيرًا من العاملين في الحقل الثقافي يعلمون ذلك، لكن حفاظًا على المصالح، يلمّع كلٌّ منهم الآخر، ويصفّق له، رغم أن الحقيقة واضحة. لكنهم يعرفون ويحرّفون، ربما من أجل “حفظ ماء الوجه”.

لذلك، كان الناقد سابقًا يستطيع معرفة الحالة التي دفعت الشاعر إلى كتابة قصيدته، فيما يُعرف بـ«مناسبة النص». أما اليوم، وللأسف، فعلى الناقد أن يكتشف “المصنع” الذي أُعيدت فيه صياغة القصيدة؛ لأن كثيرًا من النصوص لم تعد تعبّر عن وجدانية الشاعر، بل هي نتاج إعادة تدوير أو ذكاء اصطناعي جامد يصفّف الكلام دون إدراك.

فيأخذها المتسلق ويضعها على جداره، غير منتبه إلى أنه يقدم وردة اصطناعية لا عطر لها. والأسوأ أنه لا يدرك أن القارئ سيكشف أمره، لأن النص يفتقر إلى الترابط، وكل جملة في وادٍ.

حتى النقد لم يسلم، إذ دخلته الذاتية والمصالح العلائقية بين الشاعر والناقد.

وهناك أمثلة كثيرة، كأخذ ومضة شعرية كما هي مع تغيير كلمة واحدة فقط. بينما يجهل البعض حتى عبارة «راقت لي».

أما من يدّعي النقد، فتراه يكتب لمن تتقن الإلقاء فقط، ويصنع منها “شاعرة مميزة”، ويمنحها الأوسمة، ويُوصي بها في لجان التحكيم. وفي كثير من الحالات، لا يكون المقياس هو الكفاءة الشعرية، بل القدرة على العلاقات العامة أو الإمكانات المالية.

لذلك، فإنّ التدوير قائم، من أكبر شاعر إلى أصغره، وقليلون جدًا من يكتبون ذواتهم بصدق. والقارئ الجيد يكوّن مع الوقت معرفة بأسلوب الشاعر.

وقد حصل معي شخصيًا أن طلبت مني كاتبة قصيدة من كتابي، ثم نشرت نصًا مطابقًا تقريبًا باسـمها. لكن إحدى القامات الأدبية انتبهت وسألتني: «أليست هذه قصيدتك؟».

وهناك أسلوب آخر، وهو تركيب قصيدة من مقاطع مأخوذة من قصائد مختلفة.

أنا لا أدّعي أني من أبلغ الكتّاب، لكنني أكتب وجدانياتي كما أشعر بها، والجميع يعرف أسلوبي.

يا سادة، الشعر لا يُسرق. هو كاشف وفاضح. وليس المهم أن تكون شاعرًا بلا موهبة، بل أن تكون متذوقًا واعيًا.

قد يستطيع خياط تقليد نموذج، لكن لا يستطيع من يدّعي الكتابة أن يسرقها طويلًا؛ لأن «الإناء ينضح بما فيه».

فمن الغريب أن تتحول كاتبة مليئة بالأخطاء إلى شاعرة موزونة من الطراز الأول، ثم تنقطع فجأة بعد انفصالها عن شاعر!

نحن لا ننكر الكفاءة المكتسبة، لكن الأساس هو الموهبة. فكم من أساتذة جامعيين يتقنون القواعد، لكنهم يعجزون عن كتابة بيت شعر.

كما أن شاعر التفعيلة قد يعجز عن كتابة نص نثري. لذلك، يجب احترام الأساليب دون تعالٍ.

فالكاتب المتواضع هو الأقرب إلى القرّاء، لا ذاك المتعجرف الذي يحبس نصوصه.

ما الدور المجتمعي للكاتب إن لم يُنقذ من في العتمة؟

كل شيء بات مكشوفًا، والأقنعة مجرد فقاعات.

وفي كواليس الوسط الثقافي، هناك تناحر واضح، رغم أن المفترض أن يكون بيئة نقية.

لكن الواقع يشبه الغابة؛ كلٌّ يريد افتراس الآخر.

والبعض يسعى لاحتكار الساحة لتحقيق الشهرة والربح، على حساب المجتهدين.

وفي الختام، الشعر ممارسة أخلاق قبل أن يكون كتابة. هو حوار وتسامح، لا تحطيم وإيذاء.

للأسف، أصبح الوسط الثقافي منفّرًا، وتحولت بعض المناسبات إلى جلسات سطحية هدفها الصور والتباهي.

وفي هذا الضجيج، نقول:

طوبى لمن يحملون مشعل الثقافة بصدق، ويؤمنون بموهبة الآخر.

لهؤلاء النادرين نرفع القبعة، على أمل إعادة الاعتبار للنص الصادق، بعيدًا عن التدوير والادعاء.

لأن الشاعر يفقد شاعريته حين يفقد إنسانيته.

وتصبحون على أدب… ليكون حرفكم من ذهب.

تعليقات