نعيمة بنصالح | المغرب
العنوان علامة لغوية تعلو النص لتحدده وتجذب القارئ إليه، وهو نظام سيميائي
ذو أبعاد دلالية ورمزية، وأول عتبة تحيل إلى فك شيفرة النص.
عنوان قصيدتنا "انسلاخ" اسم نكرة مخبرة عن ماهية مبتدإ أرجحه اسم
إشارة دال على وضع محاذ بطله، يطل علينا من أول استهلال، بقامة طويلة في تشكيل وصياغة
الدلالة، بل وتحديد هوية المتكلم الذي جسدته بقوة ضمائر المتكلم بحضورها البارز في
الاسم (وجهي) والفعل (أمد) والحرف (كأنني)، كأداة رئيسية في التعبير عن الصراع الداخلي
الذي يسكن الشاعر، ويكشف ما تواريه النفس من ثقل تجاذب اختيارين مختلفين، في إطار تفاعلها
مع بيئة العصر. فالانسلاخ من مقومات مكتسبات حفرت مصداقيتها من مرجعياتها المختلفة
الثقافية والاجتماعية والتاريخية وغيرها، لتتأصل في السلوك والفكر، غير ممكن الانصياع
له، ليجد الشاعر نفسه مجرد عابر حجز ورقة حضور لا تشبع رغبته وعزيمته القوية في وصل
الأمس بوجهه القديم باليوم، ورسم سماء تحتضن الكواكب مضيئة لا منطفئة، مادًّا يده المرتجفة
جسرًا يحررها من صمت أطبق فكيه فحدّ خطواته: (أخرج ببطء/ من فم الصمت/ كأنني فكرة/
كانت محبوسة/ في جيب العصر).
احتياج ضروري لتحقيق الانسجام بين ماضٍ وعصر امتلأت جيوبه بكل فنون التحول
الإلكتروني المتداخلة مع التجارب الإنسانية، للقضاء على الإحساس بالضياع والاغتراب
الذي قد يجره الانبهار المنبطح أو التعصب الأعمى، إيمانًا بأن الذات الإبداعية قابلة
لدمج يجعل واقع الهوية التكنولوجية غير متعالٍ، ومساهمًا في رسم الواقع الجديد والتعامل
معه: (في الداخل/ مدن من الوجوه/ تضيء لحظة/ ثم تنطفئ/ ككواكب/ لم تجد سماءها). وبين
الإضاءة والانطفاء نفس تتوق بإرادة إلى قهر هذا الإحساس بالانشطار من خلال التفاعل
بين الذات الحسية والوسائط الحديثة، لترسل الكواكب طاقة نورها الكاملة انتصارًا على
العتمة.
هي إذن مقاومة شديدة وجريئة رغم الانكسار، لخلق نسق ثقافي يحقق الانسجام بين
إبداع الورق الصلب وآخر سائل، منساب، متحول ومتغير. تجربة تولد نوعًا من التوتر القريب
من الدراما ونوعًا من الحركية المتواترة: (أخرج/ أمد كتفي/ أتحرى/ يحاول أن يخرج إلى
العالم...). لحظات مليئة بالصراع تنبئ عما يدور داخل نفسية الشاعر عبر حلحلة تتطلب
الكثير: (أنا رجل/ ينكسر حوله الضوء)، وفي انكسار الضوء بين وقعين مختلفين مسافة جهد
ومعاناة ومكابدة لن ينسفها إلا قلب يعاهد الإصرار على الظهور والخروج بذاك الوجه القديم:
(لكن قلبي/ ما زال يحاول/ أن يخرج/ إلى العالم/ بصوته القديم).
صراع داخلي تتأرجح فيه نفسية الشاعر بين الحضور والغياب، بل بين الحركة والسكون
كثنائيات ضدية تحدد رؤيته، بل وفلسفته في المواءمة بين الذات المبدعة وبيئة العصر بكل
مستجداتها.
للدلالات طبعًا بنية صوتية تدعمها وتكسبها ذائقة سمعية لها صداها المؤثر وبعدها
الصوتي الخاص، وقيمة تؤدي دورًا فعالًا في تحديد مفهوم الكلمات وتمنحها قيمة فنية وإبداعية.
فبين الانسلاخ والانكسار رحلة نفسية بعوالم انزياحية تسكن خيالًا ممتدًا يراهن على
رسم تلك السماء الكفيلة باحتضان الكواكب، لفك أسر الحلم والأفكار المحبوسة: (كأنني
فكرة/ كانت محبوسة/ في جيب العصر..)، رهان تحمله يد مرتجفة مضطربة جسرًا للوصول. وما
حضور صوت "السين" بهدوئه وصفيره العالي المنبئ عن النفس القلقة: (انسلاخ/
جسر/ محبوسة/ رجل ينكسر..) إلا ليرمم بهمسه ما ألمّ وحل بالشاعر من انفعال وإحساس بغبن.
فجره صوت "الياء" الحاضر بقوة كصوت مجهور يفجر ذلك الانخراط الكلي وبجميع
الأعضاء في تحدي الأزمة: (وجهي/ يدي/ كتفي/ قلبي..) للخروج إلى العلن ومواجهة الصمت،
بل وفضّه ولو ببطء. وهنا تفرض "الهمزة" نفسها تفريغًا لذلك الوجع الداخلي
والانقباض المستولي عبر خصوصية انفراجها القوي الذي وُظّف في القصيدة لإظهار الإصرار
على عدم الاستكانة والاستسلام: (أخرج ببطء/ كأنني.../ أمد/ أتحدى/ أنا...) من أجل الخروج
إلى العالم بذاك "الصوت القديم".
القصيدة قطعة من وجدان الشاعر، مفعمة بصدق الإحساس وعمق الأفكار وبعوالم انزياحية
دلالية (فم الصمت/ جيب العصر/ جسر يرتجف..) تستحق التوقف والتأمل.
