آمنة ناصر | لبنان
لو أننا
لو أننا
لم نلتقِ أبداً
حتى نفترق...
لو أننا
عانقنا مطر الضباب
كي لا نحترق...
لو أننا
سافرنا مع سنونوات الربيع
حتى الوداع لا نستبق...
لو أننا
أوقفنا عباب الزمان
حتى ثواني اللقاء لا نسترق...
لو أننا
عرفنا أن الهوى عبودية للقلب
حتى طقوس حريته نعتنق...
لو أننا
تعلمنا شريعة النسيان
عسانا نحطم ذاكرة الألم
وننطلق...
(13/03/2017)
وطني
وطني!
ما لي أرى سماءك تمطر دماً؟
منذ متى أشلاء أطفال
تُحصد كعناقيد الكرمة؟
كلّ السواقي تجمّدت قهراً،
حتى حجارة البيوت
قد فقدت ذاكرتها،
والعصافير ما عادت تملك اسماً.
يا وطني...
متى تحميني تحت عباءتك؟
متى أطمئن بأني كلما أدوس ترابك
لا أدوس لغماً؟
يا وطني،
أثخنتني جراحك،
وازدادت الندوب في قلبي.
سئمت أن أعيش في ترحال،
وما كانت حقيبة السفر حلماً.
حلمي أن أحتضن ياسمينك،
أن أعانق شمسك ودفئك،
لا أن أعاين النيران سهماً.
حلمي أن أفترش ترابك والدحنون،
وأن أحصد شمائل الفرح في العيون،
أن أسابق جريان النهر
وأن أرقص على أنغام سنونوات الربيع،
أن أشعر بأن عمري
ليس هباءً يضيع.
خبزي متعب على صاجك،
ونسيم الفجر متخم وحزين في صباحك.
من توّجك بإكليل الجراح
بعدما كان تاجك فخراً لا هماً؟
يا وطني...
أرصفتك أضحت أجساداً ذابلة للأطفال،
وشوارعك معبّدة بطوابير النازحين المتعبين.
هنا في الزحام
قد فارق عجوز الحياة،
مضى جائعاً سقيماً،
لم يحتمل السفر في الازدحام.
فطافت روحه إلى السماء،
لم يعلم أيضاً بأن السماء
تزدحم بالأرواح
التي تزف مواسماً
باقات من براعم الورد،
وباقات من فراشات النور.
متى تورق أغصانك أمنيات؟
متى لا ينتحر الموج
على سفن الصيادين؟
متى يتعرّى الصبح
من أنين المتعبين؟
أحاول أن أمنح الدم
لكلمات قصائدي،
عساها تنقذ أبرياء
يُرمَون كالدمى،
عساها تبدّل الليل الدامس
إلى نهار كما كان.
لكنّ
قمرك شاحب حزين،
شاهد على كل الأحزان.
لقد نفدت السهرات،
والضحكات، واللهفات،
لقد نفدت لقاءات المحبين.
في الحرب
يختبئ الحب
في ملجأ الحسرات،
وفي خوابي الزيت،
وأكياس الحنطة
تختبئ دموع الأمهات.
الحب يختبئ
في صراخ الأطفال
الذين مضوا
قبل أن يرتدوا ثياب العيد.
متى الخلاص؟
متى ينتهي النحيب؟
متى تُشفى يا وطني الحبيب؟
(الخميس ٥ آذار ٢٠٢٦)
ما ذنب الأطفال؟
تختلج الدموع،
ويتثاءب البحر.
تتبخر آهات
تتصاعد نحو الغيم،
نحو الضباب.
ترتسم تجاعيد الشقاء
فوق الهضاب.
وتتساءل السحب:
لماذا صارت عقيمة كالسراب؟
لا تمطر أملاً،
ولا مطراً،
ولا نوراً.
لماذا خاصم العشب الأخضر التراب؟
ولماذا امتنعت العصافير عن الغناء،
ولم تعد أسرابها
تفترش فرحاً السماء؟
لماذا فارق اليمام الشبابيك،
وحل مكانه
نعيب الغراب؟
من أهدى الأطفال الدمع هدية،
وقدّم بعضهم
قرابين الشقاء؟
وُجدوا في ساحة القتال يلعبون،
وما ظنوا بأنهم غدوا
لعبة الكبار.
أولئك الذين يأكلون الحصرم
والأطفال يضرسون.
وبدون ذنب ولا خطيئة
يُقتلون،
إلى ملائكة
برفّة جفن يتحولون.
والكبار يتفرجون،
وعلى أوجاعهم يفاوضون.
ما ذنب الصغار
كي يصبحوا على غفلة
بنوداً في أوراق المفاوضات؟
من خلع لعبتهم من أيديهم
وألحق الضرر بهم وبألعابهم
وكأنهم مذنبون؟
كل طفل منهم
كحمامة تحمل بمنقارها
غصن زيتون.
كل طفل
راية بيضاء
على جثته تقامرون.
وهو لا يأبه
ولا يعلم لعبتكم.
همّه أن يرسم عائلة
وبيتاً آمناً،
همّه أن يتخذ حضناً
وأن يأخذ بيديه أخاً
يكون له سنداً.
وليس يأمل شظية طائشة
تأتيه من احتفالات الكبار:
من تشييع شهيد،
أو زفاف قريب،
أو تناحر بين أفراد القبيلة.
في كل ذلك
ليس له حيلة.
تقاتلوا بعيداً عنه،
اقتلوا بعضكم كما تشاؤون،
واهدموا منازلكم كما تشاؤون،
لكن أبعدوه
عن حسابات غنائمكم.
لأنكم في الحرب خاسرون.
في الحروب
لا ينتصر أحد،
بل يُقتل الولد،
ويُدمَّر البلد.
وبعد كل ذلك
تعقد اتفاقيات
على أوراق من ذهب.
يكون عاش من عاش،
وذهب من ذهب.
الصالح قد مات،
ويبقى الطالح
وقليل الأدب.
وبعدها
لا يبقى من يقول النشيد،
ولا من يرفع علم البلد.
وتعلو هتافات
من باع الوطن:
هلمّوا إليّ...
أنا
أو لا أحد.
(الأحد ٨ آذار ٢٠٢٦)
